نقطة تحول

ما هي “عقيدة مونرو” التي تمنع أمريكا من التدخل العسكري في أوكرانيا؟

ما هي “عقيدة مونرو” التي تمنع أمريكا من التدخل العسكري في أوكرانيا؟

سنابل – فريق المتابعة

في أعقاب انهـ.ـيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، لم يخف الزعماء الروس مخاوفهم من احتمال انضمام أعضاء سابقين بالاتحاد إلى حلف الناتو، ونشر قوات عسكرية معـ.ـادية على حدود روسيا وفي “محيط تأثيرها”.

ووفقا لعضو الكونغرس بيرني ساندرز، فإن “زعماء الولايات المتحدة اعتبروا أن تلك المخاوف مشروعة في ذلك الوقت”، يعتبر كثير من المختصين في الشأن الأمريكي أن عقيدة منرو مثلت حجر زاوية في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى القرنين الماضيين.

تعود التسمية إلى الرئيس الأمريكي جيمس مونرو (1817-1825) الذي كان قد تبنى سياسة معارضة للاستعـ.ـمار الأوروبي في نصف الكرة الأرضية الغربي، في رسالته السنوية التي وجهها إلى الكونغرس في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 1823، تحدث منرو عن أربعة مبادئ رئيسية:

  • عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للقوى الأوروبية أو في أي حـ.ـروب تنشب بينها
  • اعتراف الولايات المتحدة بالمستعمرات الأوروبية الموجودة آنذاك في نصف الكرة الأرضية الغربي وعدم تدخلها فيها
  • لا يحق للقوى الغربية استعمار أي مناطق جديدة في نصف الكرة الأرضية الغربي في المستقبل
  • أي محاولة تقوم بها دولة أوروبية للسيطرة على أي دولة في نصف الكرة الأرضية الغربي أو قمـ.ـعها سينظر إليها على أنها عمل عـ.ـدائي ضد الولايات المتحدة.

وقال مونرو في إعلانه إن “العالم القديم” و”العالم الجديد” لهما نظم مختلفة ويجب أن يظلا محيطين منفصلين.

في تلك الفترة، كانت غالبية بلدان أمريكا اللاتينية قد نالت بالفعل استقلالها عن إسبانيا أو البرتغال، كما اعترفت أمريكا بخمس جمهوريات جديدة هي الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو، لكن الولايات المتحدة كانت تخشى أن تحاول القوى الأوروبية إعادة استعمار دول المنطقة.

كما كانت متخوفة من تطلعات روسيا التوسعية في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، لا سيما بعد أن تمكن القيصر الروسي ألكسندر الأول من بسط هيمنته على مناطق شمال غرب المحيط الأطلسي (في ألاسكا بالأساس)، ومنع السفن الأجنبية من الاقتراب من ذلك الساحل في عام 1821.

الموقف البريطاني من القوة الجديدة

تشير العديد من المراجع التاريخية إلى أن بريطانيا كانت تشارك أمريكا في تلك المخاوف، وأن وزير الخارجية البريطاني آنذاك جورج كانينغ اقترح إعلانا أمريكيا-بريطانيا مشتركا يحظر أي استعمار مستقبلي لأمريكا اللاتينية.

بيد أن وزير الخارجية الأمريكي جون كوينسي أدامز أقنع مونرو بإصدار إعلان أحادي، حيث نبه إلى أن الإعلان المشترك ربما يقلل فرص الولايات المتحدة التوسعية في المستقبل، وأن بريطانيا ربما كانت لها طموحات إمبريالية خاصة بها.

لم تكن الولايات المتحدة قوة عظمى تستطيع إنفاذ مبادئ مونرو آنذاك، كما لم يصدر عن القوى الأوروبية الاستعمارية أي نوايا جادة للعودة إلى أمريكا اللاتينية، ومن ثم لم يكن لإعلان السياسة الصادر عن الرئيس الأمريكي (الذي سمي عقيدة مونرو بعد مرور نحو 30 عاما على صدوره) أي صدى خارج أمريكا.

وفي حين أن جيمس مونرو قال إن نصف الكرة الأرضية الغربي لم يعد متاحا للاستعمار الأوروبي، أضاف الرئيس جيمس كي بولك (1845-1849) إلى ذلك بندا مفاده أنه لا ينبغي للدول الأوروبية أن تتدخل في أي توسعات محتملة للولايات المتحدة.

مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته، بدأت الولايات المتحدة تبرز تدريجيا كقوة عظمى على الساحة الدولية، رافق ذلك تخليها عن “الانعزالية” التقليدية التي طبعت سياستها منذ البداية –

نتذكر هنا خطاب الوداع للرئيس الأمريكي الأول، جورج واشنطن، الذي جاء فيه: “سياستنا الحقيقية هي الابتعاد عن أي تحالف دائم مع أي كيان من العالم الخارجي”، حيث كان هو وكثير من الرؤساء الذين خلفوه يخشون عواقب الانجرار إلى صـ.ـراع القوة بين الدول الأوروبية الكبرى.

رافق ذلك أيضا، وتلاه تفسيرات مختلفة – وأحيانا موسعة – لعقيدة منرو من قبل الرؤساء الأمريكيين.

بعد انتهاء الحـ.ـرب الباردة، ومع بدء القرن الحادي و العشرين، قللت واشنطن من تدخلاتها العسكرية في أمريكا اللاتينية، ولكنها احتفظت بنفوذ كبير في نصف الكرة الأرضية الغربي.

في خطاب ألقاه أمام منظمة الدول الأمريكية عام 2013، أعلن جون كيري وزير الخارجية في إدارة الرئيس باراك أوباما “انتهاء حقبة عقيدة منرو”، فيما اعتبر تحولا كبيرا في السياسة الأمريكية – وإن كان الإعلان لم يلق حماسا كبيرا من قبل أمريكا اللاتينية، حيث اعتبرته وسائل إعلامها مجرد كلمات.

وسرعان ما عادت العقيدة إلى الواجهة مرة أخرى مع تغير الإدارة الأمريكية، ففي عام 2018، امتدح ريكس تيلرسون، وزير الخارجية في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، عقيدة مونرو خلال زيارة قام بها إلى المكسيك، قائلا إنها “ملائمة اليوم تماما، مثلما كانت ملائمة يوم كتبت”، كما أعلن مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، أن العقيدة “على قيد الحياة وبخير”، في خطاب هدد فيه بالإط.ـاحة بما وصفه بالديكـ.ـتاتورية في كل من فنزويلا وكوبا.

بعد ذلك بعام، قال الرئيس ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: “السياسة الرسمية لبلادنا منذ الرئيس مونرو تنص على رفضنا لتدخل الدول الأجنبية في هذا النصف من الكرة الأرضية”، فيما اعتبر تحـ.ـذيرا لروسيا والصين من التدخل فيما تعتبره الولايات المتحدة فناءها الخلفي، لا سيما فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا التي وصفها ترامب بـ “ترويكا الاستبـ.ـداد”.

كان هذا التاريخ الطويل من الاستناد إلى “عقيدة مونرو” في السياسة الأمريكية، هو ما طرح السيناتور بيرني ساندرز سؤالا بشأنه في إطار نقاش عقد في الكونغرس حول الأز.مة الأوكرانية، وتضمن مطالبته بتفادي “حـ.ـرب تحمل في طياتها دمارا موسعا” بكل الوسائل الممكنة.

ورغم تأكيده على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو بالأساس المسؤول الأول عن الأزمة، تساءل ساندرز: “هل يظن أحد أن الولايات المتحدة كانت ستلتزم الصمت إذا ما قامت دولة مثل المكسيك أو كوبا أو غيرهما من دول أمريكا الوسطى أو أمريكا اللاتينية بالدخول في تحالف عسكري مع خصم للولايات المتحدة؟ هل تعتقدون أن أعضاء الكونغرس كانوا سيقفون ويقولون إن المكسيك دولة مستقلة ولها الحق في أن تفعل ما تشاء؟ أشك كثيرا في ذلك”.

جاء تحذير ساندرز منسجما مع خطه السياسي منذ صعود نجمه في ثمانينيات القرن الماضي، كناشط سياسي بأفكار اشتراكية، انخرط ضمن صفوف المؤسسة السياسية الأمريكية بوصفه عضوا في الكونغرس، لكنه لطالما عارض عددا من سياسات واشنطن، كالحـ.ـرب على العراق وحـ.ـرب التحالف الذي تتزعمه السعودية في اليمن بالإضافة إلى معارضته لعقيدة منرو.

كلمة ساندرز قوبلت بالرفـ.ـض من قبل السيناتور الديمقراطي ديك ديربين، الذي رأى أن تصرفات أمريكا في الماضي لا يجب أن تكون سببا لترك بوتين يفعل ما يحلو له.

ورغم قوله إنه يتفق مع ساندرز في عدم رغبته في اند.لاع حـ.ـرب، أضاف ديربين: “لا أتفهم نظريتك هذه، التي تقول إن من حق بوتين أن يكون له محيط تأثير أو نفوذ أو هيمنة، بالنسبة لي، هذا أمر غير مقبول ولا يتوافق وفكرة سيادة أوكرانيا على أراضيها”.

أما ساندرز نفسه، فخرج بعد بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا ليدعو العالم إلى “الدفـ.ـاع عن الديمقراطية”، ويصف العـ.ـدوان بغير المقبول، ويقول إنه “يجب على دول العالم الرد بقوة”.

لكن كلامه عن “عقيدة مونرو” استدعى كثيرا من المقارنات بين السياسة الأمريكية في التعامل مع محيطها الإقليمي، والسياسة الروسية في التعامل مع الملف ذاته.

المصدر: BBC  بالعربي، للاطلاع على المقال من مصدره انقر على الرابط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى