نقطة تحول

المقاتلين الأجانب في أوكرانيا.. هل سيقودون الوضع لحرب عالمية ثالثة؟

المقاتلين الأجانب في أوكرانيا.. هل سيقودون الوضع لحرب عالمية ثالثة؟

سنابل- متابعات

كتب الباحث لقاء مكي في موقع الجزيرة للدراسات:

أعلن الجيش الأوكراني عن وصول أول مجموعة مقاتلين متطوعين من بريطانيا للمشاركة في القتال ضد القوات الروسية، ليكونوا جزءًا مما أسمته كييف (الفيلق الدولي)، وقد أعلن الرئيس، فلوديمير زيلينسكي، أن بلاده ستستقبل 16 ألف متطوع يمثلون (الدفعة الأولى من المقاتلين الأجانب الذين (سيدافعون عن حرية أوكرانيا وشعبها)، فيما قال وزير الخارجية، دميترو كوليبا: إن عدد المتطوعين بلغ 20 ألفًا من 52 دولة ومعظمهم ينحدرون من أوروبا.

كان زيلينسكي قد أعلن رغبة بلاده باستقبال (متطوعين دوليين)، في السابع والعشرين من فبراير/شباط الماضي، أي في اليوم الثالث من الحرب، وهو ما بدا لافتًا في حينه؛ إذ لم تكن أوكرانيا تعاني من حاجة فعلية للجنود المقاتلين، كما أنها بدأت باتخاذ إجراءات للتعبئة العامة، ومنعت جميع الذكور من ذوي الأعمار (18-60) عامًا من مغادرة البلاد مع موجات الفارِّين من المعارك، ويمثل هؤلاء نسبة لا تقل عن 27% من عدد السكان في أوكرانيا، أي نحو 12 مليون شخص مما يقارب 44 مليون نسمة، ويعني ذلك أن البلاد كان لديها بالفعل قدرات لتجنيد قوات احتياط ضخمة. ولن يضيف عدة آلاف من المقاتلين الأجانب قدرات قتالية حاسمة لها.

أشارت تصريحات لمسؤولين في كييف عن أن فكرة (الفيلق الدولي) تهدف للسماح بالتعبير عن التضامن العالمي ضد الهجوم الروسي، لكن هذا السبب لم يبد كافيًا للقبول بفكرة إشراك مقاتلين أجانب في الحرب، لاسيما مع حساب التداعيات المستقبلية المحتملة وزيادة تعقيد الأزمة، وتقليص فرص السيطرة على تصاعدها. ومع ذلك، فقد كان مفاجئًا أن تحظى الدعوة الأوكرانية بتأييد علني من الدنمارك وبريطانيا، من غير أن تبدي معظم دول الغرب، رفضًا على الصعيد السياسي، فيما كان لافتًا اعتراض قائد هيئة الأركان البريطانية على الفكرة واعتبارها غير قانونية وغير مفيدة، ولكن من دون أن يمنع ذلك مغادرة متطوعين بريطانيين بالفعل إلى أوكرانيا.

لم تقدِّم كييف تفسيرات عسكرية لإجراءاتها لاسيما في وقت إعلانها المبكر على الأقل؛ ما أثار تكهنات بأن يكون الأمر غطاء لمشاركة عسكريين من دول غربية، متخصصين بالأسلحة النوعية المتقدمة، بالحرب تحت تسمية متطوعين لتجنب مواجهة مباشرة لبلدانهم مع روسيا، لكن ذلك يبقى مجرد تفسير لا أدلة واقعية حوله.

وعَدَا عن المتطوعين، فإن أوكرانيا بدأت -حسب مصادر إعلامية- باستقدام المئات من المرتزقة التابعين لشركات أمنية للقتال ضمن “الفيلق الدولي”، واستشهدت هذه المصادر بإعلان في موقع (silent professionals) الأميركي المتخصص بالأعمال الأمنية، عَرَضَ الحصول على عمل فوري في أوكرانيا لمهام “أمنية خاصة ودفاعية وفي البحث والتنقيب والحماية” وسوى ذلك. واشترط الإعلان توافر خبرات قتالية احترافية في الخارج، مع تفضيل للمقيمين في أوروبا، وبأجر يومي يتراوح ما بين 1.000- 2.000 دولار أميركي مع علاوات بعد إنهاء المهمة.

وحسب موقع (MEE)، فإن شركات أخرى تقوم بتوظيف متعهدين وتعرض عليهم أجورًا تتراوح ما بين 2.000- 3.000 دولار في اليوم، وربما زاد عدد الجنود المحترفين الذين ذهبوا إلى أوكرانيا عن 1000 شخص.

من المتوقع أن يسهم المرتزقة الأجانب في معارك المدن بشكل خاص، أو في عمليات المقاومة التي يمكن أن تندلع في حال فرضت القوات الروسية سيطرتها على العاصمة، كييف، وعلى المدن الكبرى، لكن من غير الواضح قدرة (المتطوعين) من المدنيين غير المحترفين القادمين من دول جرى الإعلان بالفعل عن وجود متطوعين من مواطنيها، على تأدية دور فعال في القتال، لاسيما أنهم ينتمون لبلدان لم تشهد حروبًا أهلية يمكن أن تكون قد شهدت انخراطهم في أية خبرات قتالية. ومن بين هذه الدول، دول أوروبية مختلفة فضلًا عن اليابان والولايات المتحدة وأستراليا وكندا.

وقامت سفارات أوكرانية بنشر إعلانات تدعو مواطني بلدان مختلفة إلى (التطوع)، مع وعود بتقاضي أجور شهرية تعادل ما يتقاضاه الجندي الأوكراني، وصدرت اعتراضات رسمية علنية في الجزائر والسنغال على هذه الإعلانات.

تكرار تجربة الاستعانة بالمرتزقة

لا يمكن اعتبار وجود مرتزقة في الحرب الأوكرانية أمرًا خارجًا عن المألوف، فالولايات المتحدة استعانت بالفعل بالمرتزقة الذين وفرتهم شركة بلاك ووتر الأميركية للقتال إلى جانب قواتها في أفغانستان والعراق، وقاموا بالفعل بمهام ميدانية واسعة ضد المقاومة الأفغانية والعراقية، واتُّهِموا بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، وهو ما يمكن أن يقوم به المرتزقة في الحرب الراهنة، وذلك أحد أسباب استخدامهم؛ حيث يتجرد هؤلاء من أي معيار أخلاقي أو قانوني تلتزم به الجيوش الرسمية، فيقومون بجرائم وانتهاكات خطيرة، يمكن للدول المشغِّلة لهم التنصل منها.

ويبدو أن روسيا شاركت أوكرانيا بالاستعانة بالمرتزقة، لكن من دون إعلان أو معلومات رسمية؛ حيث انتشرت منذ اليوم الرابع للمعارك معلومات عن دخول نحو 400 مقاتل من شركة فاغنر الأمنية الروسية، إلى كييف، في مهمة محددة لاغتيال الرئيس الأوكراني، زيلينسكي، حسب صحيفة التايمز البريطانية، وقالت: إن وجود هؤلاء هو جزء من مخطط يعود لعدة أشهر.

وتتولى فاغنر، مهام أمنية في إفريقيا ومالي وموزمبيق وجنوب السودان، وقد أبدت فعالية عالية في دعم الأنظمة الحاكمة هناك، كما أن لديها أنشطة أمنية في سوريا، ويسود اعتقاد بوجود علاقة مباشرة بين هذه الشركة والكرملين، لكن الأخير ينفي ذلك. ويمثل دخول فاغنر إلى ساحة العمليات الروسية تطورًا مؤثرًا في بعض المجريات القتالية لاسيما حرب المدن ومعركة السيطرة على كييف بشكل خاص.

ويبدو أن روسيا باتت تستعين بعناصر قتالية أجنبية من خارج عناصر المرتزقة المحترفين، وحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فإن موسكو جنَّدت مؤخرًا سوريين يجيدون حرب المدن للقتال إلى جانبها في أوكرانيا، ونقلت عن مسؤولين أميركيين قولهم: إن هؤلاء المقاتلين السوريين موجودون بالفعل الآن في روسيا، وقد ينضمون إلى المعارك في أي وقت، لكن أعدادهم ليست معروفة، وقد رفض نفس المسؤولين الأميركيين التعليق على وجود مقاتلين سوريين أيضًا يقاتلون مع الجانب الأوكراني ضد القوات الروسية.

من المحتمل بقوة أن يكون لوجود المرتزقة على جانبي الحرب في أوكرانيا تأثير في مجريات المعارك الآن أو في مراحل لاحقة من حروب المدن، أو المقاومة، وكذلك في وقوع انتهاكات منهجية ومتكررة ضد المدنيين أو مخالفة قواعد وقوانين الحرب، لكن من غير المتوقع أن تحصل تداعيات غير متوقعة مستقبلًا، فهؤلاء سينتقلون بعد انتهاء مهامهم إلى مواقع جديدة ويخدمون زبائن جددًا مقابل ثمن، لكن المشكلة الحقيقية ستكمن في وجود (المتطوعين) أو المرتزقة غير المحترفين الذين يجري استقدامهم للمشاركة في الحرب ثم عودتهم إلى بلدانهم الأصلية، أو بلدان أخرى.

التداعيات المحتملة

فضلًا عن التأثير العملياتي المحدود وربما العكسي لوجود متطوعين يُفترض أنهم بلا خبرات قتالية احترافية، فإن الأمر برمته ما زال بلا ضوابط تنظيمية، ولا إجراءات مراقبة وتقصٍّ، كما أنه لم يعالج مخالفته الصريحة للقوانين الدولية والوطنية بمنع القتال لصالح قوى أجنبية. وإذا ما استمر هذا الخلل في بنية الدعوات الراهنة للتطوع، فإن تداعيات مباشرة يمكن أن تنشأ مستقبلًا على صعيد الأمن الغربي والأوروبي وربما في بلدان أخرى مختلفة في العالم، يمكن إجمالها فيما يأتي:

إمكانية ظهور أو تصاعد حمى التطرف في بقاع عديدة من العالم، مع وجود بيئة مثالية خلال الحرب، لتلقين المقاتلين الأجانب آليات العنف واستسهال القيام به من دون ضبط عسكري وفكري يتلقاه عادة الجنود النظاميون.

أن وجود متطوعين أجانب في حرب ببلاد غريبة، هو بالأساس جزء من سياق أيديولوجي أو اعتباري؛ حيث ينظر المتطوع إلى أحد طرفي النزاع على أنه مع الحق، فيما يمثل الطرف الآخر الباطل، وغالبًا ما ينظر الغربيون إلى أوكرانيا على أنها الضحية أمام عدوان روسي واضح، ومن المحتمل بقوة أن تعزز الحرب قناعاتهم هذه وتزيد من جرعة كراهيتهم لأحد طرفي الصراع. إن هذا الموقف هو بحدِّ ذاته موقف أيديولوجي يمكن أن يتحول إلى سياق تنظيمي وربما تخريب متطرف لاحقًا.

وجد جمهور اليمين المتطرف في أوروبا فرصة كبيرة لهم للقتال ضد روسيا، ويبدو أن غالبية المتطوعين من بين صفوفهم. وحسب الباحثة في جامعة ملبورن، سارة ميغر، فإن هناك عددًا من المتطوعين الغربيين ساندوا أوكرانيا عسكريًّا بعد حرب عام 2014، وكانت غالبيتهم من اليمين، ووجدت ميغر أن الدفاع عن أوكرانيا من الغزو الروسي يمثل لمثل هؤلاء خطوة ضرورية في “كبح القوة السياسية الخبيثة والدفاع عن القيم الغربية”. ولا يمكن أن يكون تصاعد قوة اليمين وانخراطه في نزاع مسلح داخل أوروبا حدثًا عاديًّا، فاليمين الأوروبي الذي تتصاعد قوته السياسية باستمرار مدفوعًا بكراهية الأجانب واللاجئين بشكل خاص، سيتحول إلى قوة أيديولوجية مؤهَّلة للعنف واستخدام أدواته، وهو ما ينبغي أن يشكِّل مصدر قلق عميق للغرب.

من المتوقع أن يشارك متطوعون من خارج أوروبا إلى جانب أوكرانيا، وربما وصل بعضهم بالفعل. إن كثيرًا من هؤلاء من دول إفريقية وشرق أوسطية ومن أماكن أخرى في العالم الثالث، قد لا يكون لديهم دوافع أيديولوجية أو سياسية أو أخلاقية للقتال مع هذا الجانب أو ذاك، والغالب أنهم مدفوعون بحاجات اقتصادية، أو بتوقع وجود فرص لاستغلال (فوضى) الحرب لعبور الحدود بشكل من الأشكال نحو دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يكون أسهل طريق للجوء إلى الغرب، دون أن يكون لمخاطر الحرب أثر مقابل فرصة ممكنة نظريًّا على الأقل للوصول إلى أوروبا.

لن يكون مستبعدًا أن يصل ضمن المتطوعين، أفراد ذوو صلة بتنظيمي الدولة أو القاعدة. سيتلقى هؤلاء تدريبًا من خبراء الناتو على أسلحة نوعية، وستكون لهم أجندة واضحة لا علاقة لها بمصالح أي من أطراف النزاع، تتلخص بالتجمع والعمل لاحقًا ضد المصالح الأمنية في أوروبا.

لقد اعتبرت دول كثيرة في العالم الحرب الأفغانية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، مصدر إنتاج لمتطرفين وإرهابيين كانوا بالأصل (مقاتلين متطوعين) من الشرق الأوسط، شاركوا بالحرب ضد الغزو السوفيتي بتشجيع من دولهم، وبدعم عسكري وتدريبي ومالي أميركي، وتعرَّف غالبيتهم على ما يعتبر (فكرًا متطرفًا) خلال الحرب، وتلقى خبرات قتالية واسعة استُخدمت لاحقًا في العمليات الإرهابية. ولن يكون بالضرورة أن تتكرر تجربة (الأفغان العرب) بتفصيلاتها في الحالة الأوكرانية الراهنة، لكن النمط لا يختلف كثيرًا حتى الآن، ولو استمر دون تنظيم، فقد لا تبتعد النتائج عن التجربة الأفغانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى