نقطة تحول

ما هي قدرة الأوروبيين على الاستغناء عن الغاز الروسي؟

ما هي قدرة الأوروبيين على الاستغناء عن الغاز الروسي؟

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنه يتعين على الاتحاد الأوروبي التوقف عن استخدام الوقود الأحفوري الروسي بحلول عام 2027 مضيفة أنها ستقترح خطة في هذا الصدد في منتصف أيار “مايو” القادم.

وتعتمد أوروبا على روسيا في نحو 40 في المئة من الغاز الطبيعي الذي يأتيها معظمه عبر خطوط أنابيب يامال-أوروبا الذي يعبر بيلاروس وبولندا إلى ألمانيا، ونورد ستريم 1 الذي يذهب مباشرة إلى ألمانيا، أكبر مستهلك للغاز الروسي، مروراً بأوكرانيا.

وفي حال تمكن الاتحاد الأوروبي الاستغناء أو تقليل اعتماده على الغاز الروسي فإن الأمر سيعود بآثار سلبية على كلا الطرفين.

من الجانب الروسي

تعتبر روسيا أحد أكبر منتجي الغاز في العالم، وبسبب حـ.ـربها على أوكرانيا فإن العقـ.ـوبات التي طالتها وستطولها مستقبلاً قد تهـ.ـددها بالعزل الاقتصادي، حيث يطال الأمر نظام سويفت للمدفوعات العالمية بين البنوك، الذي يسمح لها بنقل الأموال حول العالم لتلقي مدفوعاتها مقابل تصدير الغاز.

وعند التفكير في فرض عقوبات على هذا القطاع الروسي، تجد القارة العجوز موقفها ضعيفا بالنظر إلى اعتمادها على روسيا في تزويدها بالغاز، مما “يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سلاحا يهـ.ـدد به السياسات في الغرب”، كما يقول رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

يقول الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس والمتخصص في صناعة الغاز، تييري بروس، لموقع “الحرة” إنه لا يمكن لأوروبا أن تجد بديلا لكل الكمية المستوردة من الغاز الروسي، وبالرغم من كون النروج الدولة الأوروبية غير المنضمة للاتحاد الأوروبي غنية بالغاز اليوم لكن استخراجه وتصديره محكوم بعوامل عديدة أهمها “نفاذ الموارد”، ما يجعل اعتماد الاتحاد الأوروبي عليه أمراً صعباً.

وأضاف الخبير الفرنسي في لقاء نقله موقع الحرة: “يمكنها فقط التخلي عن 75 في المئة كحد أقصى من الواردات الروسية واستبدالها بالغاز الطبيعي المسال”.

البدائل

ويمكن لدول جنوب أوروبا استقبال الغاز من أذربيجان عبر خط الأنابيب العابر للبحر الأدرياتيكي إلى إيطاليا وخط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول من خلال تركيا.

كما أن بإمكان الدول المجاورة نقل الغاز عبر الروابط البينية، لكن ربما لا يكون بعض الدول مستعدة للتخلي عن الغاز الذي قد تحتاجه، وحينئذ سيتعين على المستوردين دفع ثمن باهظ.

وقال محللون لدى باركليز إن تعويض ما يتراوح بين 150 و190 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي لا يمكن تحقيقه على المدى القصير.

وأضافوا أن شحنات الغاز الروسي الشتوي إلى الاتحاد الأوروبي ستبلغ حوالي 48 مليار متر مكعب بمعدلات التشغيل الحالية، بانخفاض 30% على أساس سنوي.

من سيكون الخاسر الأكبر إذا توقفت إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا؟

روسيا تمتلك إمكانات هائلة لإنتاج الغاز، وسوقا عالمية ومحلية ضخمة، وقدرة على توفير أكثر من 300 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، علاوة على ذلك، تعتمد مناطق بأكملها في العالم على إمدادات الغاز الروسي، وخاصة ألمانيا، وهذه هي نقطة الضعف الأوروبية التي تضغط عليها روسيا في حـ.ـربها مع أوكرانيا، وكل نقاط القوة هذه ، قد تنقلب وتصبح نقاط ضعف لولا معطيات دولية أخرى تغيب كثيراً عن وسائل الإعلام، يجب أن تخضع دائماً للموازنة والمراقبة بين القوى الكبرى.

تشكل صناعة الغاز ركيزة الاقتصاد الروسي، وأهمها ميزاته التنافسية، ومصدرا أساسيا لحصيلة النقد الأجنبي في الموازنة العامة للدولة.

ويرى الخبير الاقتصادي فيكتور لاشون أن مغادرة سوق الغاز الأوروبي لا شك يعني خسائر كبيرة لروسيا، لكنها في المقابل، تملك أسواقا بديلة هائلة من حيث حجم الاستهلاك كالصين، خصوصا بعد توسيع خط أنابيب “قوة سيبيريا” الذي ساهم في زيادة صادرات الغاز الروسي إلى الصين لأكثر من 10 مليارات متر مكعب، فضلا عن الأسواق البديلة في الهند وجمهوريات آسيا الوسطى وبلدان جنوب شرق أسيا، وحتى مستقبلا في أفريقيا.

ويوضح لاشون للجزيرة نت أن آسيا تبقى أكثر الأسواق الواعدة بالنسبة لروسيا، التي تملك أكبر احتياطيات الغاز في العالم، وتعتزم زيادة حجم صادراتها إلى الدول الآسيوية، وبشكل أساسي إلى الصين.

لكن الخبير الاقتصادي لاشون يؤكد أن الخسارة الأكبر نظريا، هي فقدان سـ.ـلاح الطاقة كوسيلة لحماية المصالح القومية، ومقاومة الضغوطات أمام السياسات غير الودية لبلدان الاتحاد الأوروبي.

وبرأيه، فإن الحديث الأميركي عن إيجاد مصادر بديلة للغاز الروسي إلى أوروبا، سيعني من الناحية العملية إرغامها على شراء غاز أكثر تكلفة وبشروط أقل ملائمة، إذ تبقى التكاليف العـ.ـدو الرئيسي للحلم الأميركي بتوريد الغاز الطبيعي إلى أوروبا، لأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة أكثر تكلفة من صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب من روسيا.

علاوة على ذلك، لن تشتري ألمانيا الغاز الطبيعي المسال الأميركي، لأنها لا تملك البنية التحتية اللازمة لذلك، كما أن بناء محطات جديدة لا يمكن أن يكون مربحا، ناهيك عن إعلان برلين أنها تخطط بالفعل للتخلي تماما عن مصادر الطاقة الكربونية بحلول عام 2050.

ويتابع الخبير الاقتصادي أن المخرج الوحيد أمام البلدان الأوروبية لاستبدال استيراد الغاز الروسي هو التسخين بالفحم بدلا من الغاز، والذي يصل جزء كبير منه من روسيا نفسها، ولكنه في نفس الوقت، يتناقض مع المعايير البيئية السائدة في القارة.

النرويج هي البديل

ويلفت الخبير الاقتصادي لاشون إلى أنه داخل أوروبا نفسها، تعتبر النرويج المورد الرئيسي الوحيد للغاز، لكنها ليست عضوا في الاتحاد الأوروبي، وكل الغاز المنتج في بحر الشمال والذي يبلغ حوالي 100 مليار متر مكعب، يتم بيعه من قبل الدولة إلى المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع النرويج زيادة الإنتاج بشكل جدي بسبب قاعدة الموارد المحدودة، فضلا عن تقديرات العديد من الخبراء بأن إنتاج الغاز النرويجي سينخفض ​​اعتبارا من عام 2024.

أما البلدان الأخرى التي تملك قاعدة موارد كافية وغير ملزمة بالتزامات تصدير الغاز التي يمكن أن تحل محل الإمدادات الروسية إلى أوروبا، فإما أنها تحت العقوبات أو لا تملك البنية التحتية للنقل وعمليات التسليم إلى أوروبا، أو لا تريد توتير العلاقات مع موسكو.

ويعيد الخبير الروسي إلى الأذهان تحـ.ـذيرات العديد من شركات الطاقة الدولية لوزارة الخارجية الأميركية، من الغياب شبه الكامل لبدائل الغاز التي توفرها روسيا في السوق الأوروبية.

علاوة على ذلك، يؤكد لاشون أن مزيد من تدهور العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والتلويح بالبحث عن بدائل للغاز الروسي لن يلغي حقيقة اعتماد أوروبا موضوعياً على إمدادات النفط والغاز من روسيا وبالتالي، لن يكون بمقدورها ليس فقط التخلي عن روسيا كمصدر للطاقة، بل حتى المشاركة بفرض عقوبات جدية على موسكو.

سنابل ووكالات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى